Sun 18/11/2018 05:26AM
البث المباشر Live
ارتفاع لافت في عمليات ضبط مشاتل المخدارت..أخطار اجتماعية واقتصادية وبيئية تلوح في الأفق الأثنين 18/11/2018 الساعة 05:26:02 مساءً




ناقش تقرير أخير لمركز العمل التنموي/ معا تزايد حالات ضبط المواد المخدّرة من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية العام الحالي، في مؤشر على تنامي هذه الظاهرة ووجود أرضية لوصولها إلى جريمة منظمة خصوصاً في المناطق التي لا تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية. ويدل على ذلك الأرقام التي حصل عليها مركز معا من قبل شرطة مكافحة المخدرات.

وفق معد التقرير الصحفي فراس الطويل، فحتى نهاية شهر أيلول من عام 2018، وصل عدد المستنبتات التي تم ضبطها في أنحاء الضفة إلى 40 مستنبتا، بواقع 22 ألف شتلة تقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات. أرقام تدعو للقلق من زيادة أعداد المدمنين والمتعاطين وبالتالي ارتفاع عدد التجار ومزارعي هذا النوع من النبات الضار.

هذا الواقع؛ ينذر بمشكلات تتعلق بالنسيج الاجتماعي والأمن الغذائي والاقتصادي والتنمية المستدامة، لبلد يتحكم فيه الاحتلال الإسرائيلي بكل شيء؛ بهوائه وأرضه ومياهه وكل مصادره الطبيعية، والأخطر هو إنزلاق أعداد متزايدة من الشباب إلى أتون هذه الآفة الخطيرة، خصوصا أن الفئة العمرية الشابة من ( 21-30 عاما) سجلت أعلى نسبة من بين عدد المضبوطين في قضايا المواد المخدرة.

أسباب تنامي زراعة المواد المخدرة في الضفة الغربية

يشرح مدير إدارة مكافحة المخدرات في الشرطة الفلسطينية العقيد عبد الله عليوي إلى الأسباب التي أدت إلى تنامي زراعة المواد المخدرة خصوصا في المناطق المصنفة "جـ "وهي مناطق غير خاضعة للسيطرة الأمنية الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو، الذي وقع بين منظمة التحرير وإسرائيل قبل 25 عاما. فهذه المناطق حافلة بالمشاكل الأمنية التي دفعت تجار وعصابات المخدرات ليس لترويج المواد المخدرة فحسب، وإنما إلى زراعتها بكميات تجارية كبيرة، الأمر الذي ولّد مؤشرات على وجود شبه جريمة منظّمة تمتاز بعنصر الاستمرارية، حيث باتت هناك عمليات ضبط مستمرة وصلت إلى 973 قضية منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية شهر حزيران، في حين وصل عدد المشاتل المضبوطة حتى نهاية أيلول إلى 40 مشتلا احتوت على أكثر من 22 ألف شتلة من الماريجوانا.

ويقول عليوي إن تجار المخدرات لديهم قدرة هائلة على التشبيك والتواصل مع أشخاص فلسطينيين، يشكلون حاضنة لنجاح هذه الزراعة من خلال توفير الرعاية والاهتمام لمشاتل المخدرات، مقابل مبالغ من المال، ويشير إلى أن تجار المخدرات في الغالب هم من أراضي عام 48، ينسجون علاقات مع فلسطينيين في الأغوار أو جنين أو الخليل وغيرها من المناطق، خصوصا البعيدة عن الأنظار، فيزودونهم بالبذور لزراعتها ورعايتها من خلال توفير مختبرات متطورة وأنظمة الكترونية متقدمة للتهوية والتحكم بالرطوبة والإضاءة والري والتغذية، بالإضافة إلى الدفيئات والمشاتل، وفي هذه الحالة لا يتحمل الممول القادم من الداخل أي مسؤولية أمنية، وإنما تقع على عاتق الحاضن الفلسطيني.

وينبه عليوي في هذا الإطار إلى مخاطر على النسيج الاجتماعي، بالقول: "غالبية الأشخاص الضالعين في قضايا زراعة المخدرات هاربون لديهم قضايا جنائية في إسرائيل، يقومون بالاحتكاك بالسكان الفلسطينيين في الضفة، من خلال عمليات مصاهرة، وشراء أراضٍ يسجلونها بأسماء زوجاتهم الجدد، ليصبحوا بذلك مالكين للأراضي، والبدء بنشاطات الاستنبات، وهذا يترتب عليه عمليات سرقة للمياه والكهرباء خصوصا في مناطق الأغوار التي تعاني شحاً واضحا في مصادر المياه التي تذهب للمستوطنين، وهذا يعني سرقة الحصة المخصصة للزراعات التقليدية".

الغريب في الأمر، وفق عليوي، أن الاحتلال يقوم بخصم قيمة المياه والكهرباء المسروقة من أموال المقاصة التي يجبيها نيابة عن السلطة.

نقطة أخرى في هذا الجانب، وهي قيام الحكومة الإسرائيلية برصد أراضٍ في بردلا وكردلا وعين البيضا بالأغوار الفلسطينية لصالح مستوطنين كانت لهم خلفيات جنائية لزراعتها واستغلالها. ويؤكد عليوي أن هذه الأراضي تتحول لزراعة مخدرات تحت مسميات مشاريع زراعية وتربية ثروة حيوانية، وللأسف يستغل الفلسطينيون للعمل في هذه المشاريع بعد نسج علاقات معهم وإغرائهم بالأموال.

مخاوف من جرائم أكبر..الاتجار بالبشر

ولا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بمعزل عن الاحتلال الذي يعمل وفق سياسة ممنهجة في هذه الإطار يقول عليوي: "إذا ما عدنا للوراء إلى بدايات انتفاضة الأقصى نجد أن إسرائيل سهلت من ظاهرة دخول السيارات المسروقة من إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية، حيث أن كل الذين اعتقلوا على خلفية هذه القضايا آنذاك، عادوا لممارسة جرائم من نوع آخر وهي المخدرات، فالمافيا في إسرائيل وجدت قابلية لدى هؤلاء الأشخاص لتنفيذ مشاريعها بالاستنبات في أراضي الضفة، وهذا مؤشر خطير ينذر بما هو أشد خطرا في المستقبل، من الممكن أن نرى بدايات لجرائم الاتجار بالبشر مثلاً، إذا ما تمت السيطرة على ظاهرة المخدرات".

ومن خلال عملها في مجال التوعية بمخاطر المخدرات منذ عام 1986، ترى جمعية الصديق الطيب لرعاية وتأهيل مدمني المخدرات أن هناك جملة من الأسباب التي أدت لتنامي زراعة المواد المخدرة من شمال الضفة إلى جنوبها. وتلخص عفاف ربيع، مسؤولة برنامج التوعية في الجمعية هذه الأسباب:

-المناطق المستهدفة تصنف بالضبابية من حيث إحكام سيطرة السلطة الفلسطينية عليها (منطقه جـ).

- الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدل البطالة ساهم في ذلك، مع تراجع في قيم الانتماء والمفاهيم الوطنية في ظل تفشي الفساد.

- تكتيك إسرائيلي جديد لإحكام السيطرة خاصة على المناطق المحاذية للداخل المحتل وللجدار عبر نشر جريمة المخدرات، من حيث التعاطي والترويج والزراعة، فبعد نشرها في منطقة القدس والوسط والنجاح في إغراق نسبة عالية من الشباب في براثنها؛ تحاول الآن تعميم ذلك ( حرب على الوجود الفلسطيني)

-استهداف الاحتلال لسلة الغذاء الفلسطيني، هي حرب على الإنسان ومصدر رزقه والأرض. حيث أن استهداف مناطق الشمال والأغوار وهي سلة الغذاء الفلسطيني يعكس سياسة الاحتلال في زيادة تبعية الفلسطينيين له، إضافة إلى تدمير ما تبقى من الأراضي الفلسطينية من خلال زرعها بالسموم، ورشها بمبيدات محرمة دوليا، فذلك يجعل الأرض ليست فقط تحتاج إلى استصلاح ولسنوات طويلة حتى تعود منتجة، بل لأرض عاقر غير منتجة.

-هناك نظرية أمنية في استخدام جبال الضفة الغربية كحقول تجارب، لاستخراج ماريجوانا مهجنة لادعاءات طبية وذلك من قبل الاحتلال

-الجهل من قبل المزارعين وأصحاب الأراضي بالقوانين والعقوبات التي قد تلاحق من يثبت عليه زراعة أرضه بالمخدرات.

لا دراسات عن الأثر البيئي والاقتصادي لزراعة المخدرات، ولكن!

لا توجد لدى أي جهة فلسطينية أو حتى عربية، دراسات تتطرق إلى الأثر الاقتصادي والبيئي المترتب على تنامي زراعة المخدرات، لكن هناك مؤشرات يمكن ملاحظتها ببساطة تدلنا على مخاطرها في هذه الجوانب. فمثلا لا تخلو أي عملية ضبط للمشاتل، من وجود كميات كبيرة من المبيدات محظورة الاستخدام في الأراضي الفلسطينية، وهذا ببساطة يترك أثراً على البيئة والصحة العامة على المدى القريب والبعيد، سواء على صعيد قتل التربة واستهلاكها على مدار سنوات، أو النتائج المترتبة على رش كميات هائلة من المبيدات.

اقتصاديا، يطالب مدير إدارة مكافحة المخدرات بإجراء دراسات معمقة في هذا الإطار، لكنه يعتقد بأن تحول مساحات من الأراضي من الزراعة التقليدية إلى المخدرات يؤدي إلى تراجع في السلة الغذائية لصالح نشاط غير مشروع وجنوح مزارعين للخضار إلى هذا النشاط.

ويتفق مدير عام الإرشاد والتنمية الريفية في وزارة الزراعة صلاح البابا مع عليوي في هذا الإطار بتأكيده على أن زراعة المخدرات تؤدي إلى استنفاذ المصادر الطبيعة الموجودة لصالح نشاطات غير مشروعة، علما أن هذه المصادر (الأراضي والمياه)، محدودة بالأساس بسبب سيطرة الاحتلال عليها.

ويتابع البابا "بالنظر إلى عمليات الضبط التي تقوم بها أجهزة الأمن فإن معظمها في الأراضي الخصبة، وهذا يعني تهديدا للأمن المائي بحكم أن المياه ومصادرها في الغالب تحت سيطرة الاحتلال، وأيضا تهديد للأمن الغذائي نظرا لأن زراعة المخدرات تسرق الحصص التي كانت يجب أن تذهب للزراعات المفيدة"

وبخصوص دور وزارته وهي عضو في اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات، قال صلاح أن مختلف الدوائر الحكومية تولي القضية اهتماما كبيرا لمحاصرتها من خلال التركيز على التوعية والإرشاد، وأيضا عبر الكشوفات الدورية على المزارع، والتأكد من الاستخدام السليم للأرض والمصادر الطبيعية.

تنامي زراعة المخدرات تعني زيادة أعداد المدمنين والمتعاطين

حوالي 26500 شخص يتعاطون المخدرات بشكل خطرٍ في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967، بينهم 16453 في الضفة يتعاطون بشكل رئيسي الحشيش والماريجوانا الصناعية، و10047 في غزة يتعاطون بشكل رئيسي الترامادول والليريكا. وهناك 1118 شخصاً من أصل 26500 يتعاطون المخدرات بالحقن. وأيضاً 61% منهم من شمال الضفة و20% منهم من وسطها بدأوا بالتعاطي تحت سن الثامنة عشرة.

هذا ما خلصت إليه الدراسة الخاصة بمدى انتشار وتعاطي المخدرات في الضفة والقطاع، وذلك بالتعاون مع وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والوكالة الكورية للتعاون الدولي.

وتعتقد جمعيات عاملة في مجال معالجة وتأهيل مدمني المخدرات أن الأرقام الواردة في الدراسة، التي استطاعت الدراسة رصدها، ربما تكون أقل بكثير من الأرقام والنسب الحقيقية. وترى عفاف ربيع مسؤولة برنامج التوعية في جمعية الصديق الطيب أنه حسب الرؤية المهنية والميدانية، فإنه كما هو متعارف عليه في موضوع جريمة المخدرات، فإنها تعتمد في زيادة حجمها على العرض والطلب أي أنه كلما كانت هناك زيادة في المعروض، كل ما زاد الطلب عليه، وهذا ما تحاول شرطة مكافحة المخدرات السيطرة عليه قبل وصوله للشارع (تجفيف منابع زراعة المخدرات). وأضافت: "نحن نقوم بذلك من خلال التوسع في برامج التوعية والوقاية واستهداف المناطق المهمشة".

ووفقا للدراسة الأخيرة الصادرة عن المعهد الوطني الفلسطيني للصحة العامة تشرين الثاني 2017، فقد أظهرت بياناتها حسب ربيع أن "مؤشرات الظاهرة ارتفعت في الشمال والجنوب في السنوات الأخيرة، في المقابل منطقة الوسط، لم يكن الارتفاع فيها لافتا للانتباه، ويعزو المهنيون ذلك بأن تلك المنطقة، وخاصة محافظات القدس وأريحا ورام الله تم فيها تكثيف وصب كل برامج التوعية والوقاية لكافة الشرائح، في حين كان التهميش واضحا للشمال والجنوب لاعتقاد المؤسسات الرسمية والأهلية بأن تلك المناطق أكثر أمنا من حيث الاستهداف".

يتابع ربيع بأن الزيادة في عدد الحالات التي تتوجه لطلب الإرشاد والاستشارة والعلاج من إدمان المخدرات من شمال الضفة، خاصة ( قلقيلية وطولكرم ونابلس وطوباس) ومن الجنوب تحديدا البلدة القديمة في الخليل وبعض المناطق الحدودية، إضافة إلى أن الغالبية ممن يعملون داخل أراضي 48".

كل ما سبق أفرز مشاكل اجتماعية جديدة لدى الأسر التي يوجد فيها مدمنون على المخدرات، كزيادة العنف الموجه من المدمن صوب عائلته أو العكس تماما من خلال النبذ والطرد، إضافة إلى تغيير في الأدوار داخل الأسرة، بخروج الزوجة للعمل، وترك الأطفال وهذا قد يعرضهم للاستغلال والتحرش الجنسي، ناهيك عن زيادة نسب الطلاق بين المتزوجين من المدمنين، ويضاف إلى ذلك الوصمة الاجتماعية التي تلحق المدمن وأسرته وتنتج عنها قطيعة اجتماعية، وكنتيجة حتمية، يتبع الوضع الاجتماعي المتردي وضع اقتصادي سيء.

في المحصلة، تحاول الأجهزة المختصة تجفيف منابع المخدرات وإبعاد المسافة بين مراكز العرض وبؤر الطلب على المواد المخدرة، لكن دون سياسات من قبل كل الجهات وتوحيد كل الجهود ابتداء من الأسرة والمدرسة وصولا للجامعة وكل الحلقات، لأنه دون ذلك، ستزداد أعداد المتعاطين والمدمنين وستظهر نتائج هذه الآفة في وقت قريب لا يتعدى سنوات قادمة.


التعليقات

حالة الطقس

اسعار العملات

تويتر
فيسبوك